مجمع البحوث الاسلامية

748

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

امرأة أبي لهب لم تشتغل بذلك للحاجة ، بل وصفت بذلك لأنّها كانت تحمل في كلّ ليلة رزمة حطب ترميها في طريق النّبيّ عليه السّلام ، فوصف حَمَّالَةَ الْحَطَبِ إشارة إلى تكرّر هذا العمل منها ، وفي نفس الوقت يخطر بالبال أنّها كانت تعيش بها لحاجتها ، كما أنّها إشارة أيضا إلى شدّة سعيها ومحاولتها اضطرارا ، كمن كان شغله ذلك لدفع الحاجة ، وأكلة من الطّعام . ويزيد في الوهن بها وصفها بذلك عقيب ذمّ زوجها مباشرة بأخسّ الأوصاف تعبيرا عنها ب ( امرأته ) دون اسمها « أمّ جميل » . والوصف الثّاني لها فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ تجسيما لحالتها الدّنيئة والمضطرّة حين حمل الحطب ، وهي أنّ الحبل الّذي كانت تحمل به الحطب على ظهرها يمسّ جيدها بخشونة ، وهو موضع القلادة والزّينة للنّساء ، فبدّل موضع الزّينة والجمال والعزّة والفرح إلى موضع القبح والعيب والذّلّة والحزن . 2 - قالوا في حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ : حبل من ليف النّخل ، حبل من شجر ، حبل له خشونة اللّيف وحرارة النّار وثقل الحديد ، حبل ذو ألوان ، حبل جمع من أنواع مختلفة تتزيّن به - وهو أولى بالصّواب عند الطّبريّ - حبل ممّا مسّد من الحبال قلادة من ودع ، حبال من شجر تنبت في اليمن لها مسد ، سلسلة من حديد ، الحديدة الّتي وسط البكرة . ولا شاهد لشيء منها وكلّ محتمل . 3 - بعضهم جعل هذا الحبل نفس ما كانت تحتطب به ، وبعضهم عدّها قلادة لها تحقيرا بدل قلادة من ذهب ونحوه ، وبعضهم عدّها خبرا غيبيّا أنّها اختنقت به وماتت ، وآخرون جعلوها وعيدا بعذابها في الآخرة ؛ حيث قالوا : كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت : واللّات والعزّى لأنفقنّها في عداوة محمّد ، ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة ، أو أنّها نفس . . . سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ الحاقّة : 32 ، تدخل من فيها ، وتخرج من أسفلها ، ويلوى سائرها على أعناقها . وهذا - أي كونها وعيدا لها - يتناسق مع صدر السّورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ بناء على أنّه دعاء على أبي لهب ، فليكن ذيلها دعاء على امرأته السّاعية معه في إيذاء النّبيّ عليه السّلام . ثالثا : جاءت في القصّة الثّانية آيتان بلفظ واحد حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ وفيه بحوث أيضا : 1 - كلّ منهما مسبوقة وملحوقة بآيات تشرح مقابلة فرعون لموسى مستعينا بالسّحرة ، وإبطال سحرهم من قبل موسى إذ واعدوا موسى لميقات يوم معلوم - وهو يوم الزّينة - في حفل من النّاس . فجاء في ( 3 ) قالُوا - أي السحرة - يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى * قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا . . . طه : 65 - 69 . وجاء في ( 2 ) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ * فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ الشّعراء : 43 - 45